"الولايات المتحدة ومبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ""دراسة في السياسة الخارجية الأمريكية خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة"""

صفاء صابر خليفة محمدين الاسكندرية التجارة العلوم السياسية ماجستير 2007 166

شهد النسق الدولي – منذ مطلع التسعينيات – تطورات جذرية عديدة طالت بنيته و كان لها تأثيرها البالغ في مجري العلاقات الدولية المعاصرة وما يدور في عالمها من تفاعلات بين اللاعبين الدوليين ، كما كان لتلك التطورات أثرها البين علي قواعد السلوك الحاكمة والمنظمة لمجمل هذه العلاقات و التفاعلات.

 

     ولعل أبرز ما شهده عالم ما بعد الحرب الباردة من تطورات إنما تمثل في ظاهرة الخروج المتكرر علي مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ، ذلك المبدأ الذي طالما حكم العلاقات الدولية دهرا طويلاً و كان من أبرز الأسس التي كرست استقرار تلك العلاقات . والمتتبع لمجريات الواقع الدولي في حقبة ما بعد انتهاء الحرب الباردة ،سرعان ما يدرك ما ألحقته ممارسات بعض الدول بصدد مبدأ عدم التدخل من آثار عظيمة الشأن علي سيادة المجتمعات بما يهدد استقرارها .

 

        ولذلك يستهدف بحثنا الوقوف علي مدي التغيير الذي لحق بممارسات الولايات المتحدة بصدد المبدأ محل الدراسة خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة . بما يعني الوقوف علي مصير مبدأ عدم التدخل في عالم ما بعد الحرب الباردة وفي ظل انفراد الولايات المتحدة بتقرير مصير النسق و التحكم في مجري صراعاته و أزماته .

 

    فلقد درج الفقه القانوني و السياسي منذ ظهور القانون الدولي التقليدي علي مبدأ عدم التدخل""Principle Of Non Intervention "" و فكرة الاختصاص الداخلي ""Domestic Jurisdiction""  و تزامن ذلك مع نشأة الدولة القومية  في أعقاب ابرام معاهدات وستفاليا 1648 وهو ذات المبدأ  الذي أكدت عليه قواعد القانون الدولي المعاصر حيث نصت عليه الاتفاقيات و الإعلانات الدولية وتناولته مواثيق المنظمات الدولية و الإقليمية ، فنجد أن الأمم المتحدة – علي سبيل المثا ل -  تصدت لوضع نظرية عامة لعدم التدخل بالرغم من الصعوبات القانونية التي تكتنف المبدأ ، فضلا عن الاختلافات السياسية للدول الأعضاء ، فميثاق الأمم المتحدة ينص ضمنا علي عدم التدخل من جانب الدول كما ورد في م 2/4 ، وينص صراحة علي حظر التدخل من جانب الأمم المتحدة في مسائل الاختصاص الداخلي للدول كما ورد          في م 2/7 .

     كما  جاء التأكيد علي المبدأ في قررات الجمعية العامة للأمم المتحدة – و التي تعد من أكثر أجهزة الأمم المتحدة حديثاً عن مبدأ عدم التدخل ، ونعتبر -  في تصورنا – أن تعريف الأمم المتحدة للعدوان في قرارها رقم 3314/1974 في الدورة التاسعة والعشرين هو أهم ما يمكن الاستناد إليه بصدد التأكيد علي أهمية المبدأ . علاوة علي ذلك ، فقد جرت الأعراف الدولية تاريخيا علي إدانة التدخل في الشئون الداخلية للدول ، فقد أشارت الممارسات الدبلوماسية إلي المبدأ و تناولته التشريعات و الأحكام القضائية الوطنية .

 

     وعلي الرغم من التقنين للمبدأ في أحكام القانون الدولي التقليدي و المعاصر إلا أنه لا يزال يحمل الطابع الشكلي و ذلك في الأدبيات القانونية و الممارسات السياسية علي حد سواء ،ليس هذا فحسب فالممارسة الفعلية كشفت عن خلل في تنفيذ هذا المبدأ فالتدخلات تزيد ولا تنقص كما تعددت وسائلها و أسبابها وصورها ،فلقد حاولت العديد من الدول انتهاك ذلك المبدأ و التخفيف من حساسياته التقليدية ، فالدوافع الحقيقية للسياسات الخارجية للدول قد تنظر دائما لهذا المبدأ باعتباره لا يناسب أهدافها  .

 

      وتتعين الإشارة في هذا الصدد إلي أن الولايات المتحدة منذ استقلالها 1776 و حتى اتخاذها قرار خوض الحرب العامية الثانية 1945 كان محور سياستها الخارجية قائما علي سياسة العزلة و عدم الاندماج مع جماعة الدول ، وكان الفهم السائد لدي الساسة الأمريكيين أن العزلة تحفظ البلاد من الحروب ،ولكن أدركت الولايات المتحدة بعد تدمير أسطولها في بيرل هاربر أن عليها التفاعل مع جماعة الدول وتعديل تقاليدها في عدم التدخل ،وترسخ هذا الفهم الجديد مع بروز التهديد الشيوعي المتمثل في الاتحاد السوفيتي غداة انتهاء الحرب العالمية      الثانية ."


انشء في: ثلاثاء 11 ديسمبر 2012 08:10
Category:
مشاركة عبر